الغزي
84
نهر الذهب في تاريخ حلب
والتوت والدلب والصفصاف . والغرض من ذلك كسر سورة الهواء وتنقيته وجذب ما ينبث فيه من الغبار وقاية لبقية الطوائف . ثم ترى أمام هذا السياج صفا من فصيلة الورد ، ثم تراه مقسما لعدة حقول ، في كل حقل منها نوع من الشجر والنبات ، قد رتب على نسق جميل لا يمنع غراسه الشمس والهواء عن غراس بقية الحقول مفروشة أرض الحقل الشجري منها بالبنفسج ، إذا بقيت فيه عامة نهارك لا تراك الشمس ولا تصدك كثرة الريح ولا تضرك قلته . ومن خصائص تربة حلب العنب والتين والبطيخ بنوعيه . وسنتكلم على هذه الأنواع في الفصل الذي تكلمنا فيه على نباتات حلب . وبالحقيقة أن جميع فواكه حلب وبقولها وخضرها في منتهى طبقات الجودة سوى قليل منها . وأما جمال أبنائها فكثيرا ما سمعت من بعض أولي الأنظار النقادة من السّواح « 1 » والأغراب وسكان القسطنطينية أن جمال حلب أكثر من جمال الروم المشهورة بالجمال . وقال الدكتور فنديك في كتابه المرآة الوضية في الكرة الأرضية : إن أهل حلب أجمل من جميع سكان البلاد العربية . وترى النساء مع هذه المحاسن البديعة على غاية من العفة والأدب والصيانة والطاعة لأزواجهن ، والرضاء باليسير والقناعة بمعايشهن والقيام بخدمة أزواجهن وأولادهن ومنزلهن . ولذلك ربما مضى الشهر ولم يرفع للمحكمة الشرعية دعوى بالطلاق ، ومع قلته فإنه لا يصدر إلا من رعاع الناس وغوغائهم . وأما مكارم أخلاق رجالها فحسبك دليلا عليها ما اشتهر عنهم من الميل إلى الغريب والولع بأولي الفضائل . ومن مزاياهم الحسنة تودّد أهل الملل الثلاث إلى بعضهم ، وتبادلهم الصداقة والمحبة وحسن التعامل والمعاشرة مع التزام الحشمة والأدب ، وتناصرهم في الغربة ومزيد ألفتهم وحنينهم إلى بعضهم ، غير ناظرين إلى اختلاف مللهم ومذاهبهم ، وهم في إنفاق المال على أهلهم في حالة متوسطة بين الإسراف والتقتير بحكم آية وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ . أما إنفاقهم في الولائم والصدقات فلربما اصطنع أحدهم وليمة دعا إليها عشرة أشخاص مثلا لكنه هيأ من الطعام ما يقوم بكفاية مائة شخص . وهم أهل تدبير في معائشهم يحتكر الرجل منهم مؤونة عامه في بيته . فيرفع كل نوع منها في وقته المعين ، فلا يبقى محتاجا إلا إلى اللحم الغريض « 2 » والخضرة والفاكهة الغضّة .
--> ( 1 ) الصواب « السّيّاح » جمع سائح ، وفعله يائي العين : ساح يسيح . ( 2 ) أي الطري ، الجديد « الطازج » .